الشوكاني

165

فتح القدير

هي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها : أي من له النصر في دار الدنيا ، ومن له وراثة الأرض ، ومن له الدار الآخرة . وقال الزجاج : معنى مكانتكم : تمكنكم في الدنيا ، أي اعملوا على تمكنكم من أمركم ، وقيل على ناحيتكم وقيل على موضعكم . قرأ حمزة والكسائي من يكون بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية . والضمير في ( إنه لا يفلح الظالمون ) للشأن : أي لا يفلح من اتصف بصفة الظلم ، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم لكونهم المتصفين بالظلم . قوله ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) ، وهو بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وتأثيرهم لآلهتهم على الله سبحانه : أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم نصيبا ولآلهتهم نصيبا من ذلك يصرفونه في سدنتها والقائمين بخدمتها ، فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه في ذلك عوضوا عنه ما جعلوه لله ، وقالوا : الله غني عن ذلك ، والزعم الكذب . قرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي ( بزعمهم ) بضم الزاي ، وقرأ الباقون بفتحها ، وهما لغتان ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ) أي إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم ، وقرى الضيف ( وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها ( ساء ما يحكمون ) أي ساء الحكم حكمهم في إيثار آلهتهم على الله سبحانه ، وقيل معنى الآية : أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم ، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله ، فهذا معنى الوصول إلى الله ، والوصول إلى شركائهم ، وقد قدمنا الكلام في ذرأ . قوله ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ) أي ومثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان لهم في قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم زين لهم قتل أولادهم . قال الفراء والزجاج : شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان ، وقيل هم الغواة من الناس ، وقيل هم الشياطين ، وأشار بهذا إلى الوأد ، وهو دفن البنات مخافة السبي والحاجة ، وقيل كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم كما فعله عبد المطلب . قرأ الجمهور " زين " بالبناء للفاعل ونصب " قتل " على أنه مفعول زين ، وجر أولاد بإضافة قتل إليه ، ورفع " شركاؤهم " على أنه فاعل زين ، وقرأ الحسن بضم الزاي ورفع قتل ، وخفض أولاد ، ورفع شركاؤهم على أن قتل هو نائب الفاعل ، ورفع شركاؤهم بتقدير يجعل يرجعه : أي زينة شركاؤهم ، ومثله قول الشاعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط ما تطيح الطوائح أي يبكيه ضارع . وقرأ ابن عامر وأهل الشام بضم الزاي ، ورفع قتل . ونصب أولاد ، وخفض شركائهم على أن قتل مضاف إلى شركائهم ، ومعموله أولادهم ، ففيه الفصل بين المصدر وما هو مضاف إليه بالمفعول ، ومثله في الفصل بين المصدر وما أضيف إليه قول الشاعر : تمر على ما تستمر وقد شفت * علائل عبد القيس منها صدورها بجر صدورها ، والتقدير : شفت عبد القيس علائل صدورها . قال النحاس : إن هذه القراءة لا تجوز في كلام ولا في شعر ، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر لاتساعهم في الظروف ، وهو أي الفصل بالمفعول به في الشعر بعيد ، فإجازته في القرآن أبعد . وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي : إن قراءة ابن عامر هذه لا تجوز في العربية وهي زلة عالم ، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه ورد قوله إلى الإجماع ، وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف كقول الشاعر : كما خط الكتاب بكف يوما * يهودي يقارب أو يزيل وقول الآخر : لله در اليوم من لامها